عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
114
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم البسملة في ابتداء الأمور ، ليكون التقدير فيه : كل فعل يفعله عقيب البسملة ، باللّه . فمن بسمل عند الأكل ، كان تقدير حاله أن يقول : باللّه أشرب ، فلا بد من تقدير الفعل بعد البسملة بلسان الحال ، لتعلّق الباء من بِسْمِ اللَّهِ [ الفاتحة : 1 ] ؛ و « اسم » زائدة ، والمراد اللّه . كما في قول : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( 1 ) [ الأعلى : 1 ] والمراد بذلك : سبّح ربّك . وقد وضعنا للبسملة كتابا ، شرحناها فيه أيام البداية ، وسميناه بالكهف والرقيم في شرح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) [ الفاتحة : 1 ] . وهذا الكتاب المذكور ، أول كتاب صنّفناه في علم الحقيقة ، فالحمد لمن جعل أول تصنيفاتي في : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) [ الفاتحة : 1 ] ليقع كمال النسبة الإلهية في إظهار الحقائق صورة ومعنى . ولولا ما شرحناه من أمر البسملة ، لأوردنا لك ذلك كله ، على التفصيل والإجمال ، وزبدة الأمر كله ؛ رجوع أمر جميع أفعال العباد ، إلى أنها أفعال للّه . فلذلك : قال الحلّاج ، وإن لم يكن من أهل الاحتجاج ، بسم اللّه منك بمنزلة كن منه . الحلاج رضي اللّه عنه ، هو الحسين بن منصور الحلاج . قال الشيخ إنه ليس من أهل الاحتجاج ، لأنه لما تحدّى وقال « أنا الحقّ » قتله سيف الشريعة ؛ فلو امتنع بمقتضى صفات الحق ، لم يستطع أن يقتله أحد ؛ فكانت حجّته ثابتة ودعواه صحيحة عند الغير . كما جرى لأبي يزيد رضي اللّه عنه في قوله : سبحاني ، ما أعظم شأني وأعزّ سلطاني ! وفي قول الشيخ عبد القادر رضي اللّه عنه : معاشر الأنبياء ، أوتيتم اللقب ، وأوتينا ما لم تؤتوه ! وفي قول الشيخ أبي الغيث بن جميل رضي اللّه عنه : خضنا بحرا وقف الأنبياء بساحله ! وقوله حين قال له الحكمي رضي اللّه عنه : ما حالك ؟ قال : أصبحت أحيي وأميت ، وأفعل ما أريد ، وأنا على كل شيء قدير . فكلّ من هؤلاء السادة ، منع بحاله أن يسطو عليه أحد ، فأقام حجّته . وكان الحلاج دون هذه المرتبة - ولو كان على الحقّ - ولهذا أخذته سيوف الشريعة . ولا مؤاخذة على من قام عليه ، لأنهم قاموا بالحق ؛ ولو كان حقّه أعلى من حقّهم . ونهاية الأمر ؛ إن الذين فعلوا هذا الفعل ، إذا ظهرت عليهم الحقائق ؛ نكّسوا رؤوسهم ، وآمنوا بقوله . ولولا الحقيقة ، ما أخذته سيوف الشريعة ؛ لأنه لما طلب ظهوره بالربوبية في عالم العبودية - وذلك أعزّ من وجود النار في قعر البحار - أطلقه لسان الوقت ، عن قيد الهيكل الجسماني ، ليتحقّق بما ادعاه في العالم اللائق بتلك